شهدت الأوساط السياسية والإعلامية في الشرق الأوسط تصاعدًا ملحوظًا في التكهنات حول مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، وذلك على خلفية تقارير إسرائيلية حديثة تتحدث عن إنذار أمريكي "نهائي" و"حاسم" موجه إلى طهران. تشير هذه التقارير، التي تداولتها صحف ووسائل إعلام إسرائيلية بارزة خلال الأيام القليلة الماضية، إلى أن واشنطن قد وضعت مهلة زمنية محددة لإيران للاستجابة لمطالب دولية معينة، ما ينذر بتداعيات إقليمية ودولية محتملة.
خلفية التوتر المتصاعد
تعود جذور التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى عقود مضت، لكنه تصاعد بشكل كبير مع الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في مايو 2018، والذي كان قد أبرم في عام 2015. تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران في إطار حملة "الضغط الأقصى"، مما أدى إلى تدهور كبير في الاقتصاد الإيراني.
ردت إيران على هذه الخطوات بتجاوز تدريجي لقيود الاتفاق النووي، بما في ذلك زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم وتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة، مؤكدة أن هذه الإجراءات تأتي ردًا على عدم التزام الأطراف الأخرى بالاتفاق. تجاوزت طهران مستويات التخصيب المسموح بها (3.67%) لتصل إلى 60%، مع تراكم مخزونات كبيرة من اليورانيوم المخصب، ما أثار قلقًا دوليًا واسعًا.
لم يقتصر التوتر على الملف النووي، بل امتد ليشمل أنشطة إيران الإقليمية ودعمها لوكلاء في دول مثل اليمن وسوريا ولبنان والعراق، بالإضافة إلى حوادث استهداف ناقلات النفط ومنشآت الطاقة في الخليج العربي. مع وصول إدارة الرئيس جو بايدن، كان هناك أمل في العودة إلى الدبلوماسية والاتفاق النووي، إلا أن المفاوضات غير المباشرة في فيينا تعثرت مرارًا وتكرارًا، وسط اتهامات متبادلة بعدم المرونة.
التطورات الأخيرة: تفاصيل الإنذار المزعوم
تزعم التقارير الإسرائيلية، التي بدأت في الظهور في صحف مثل "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" و"هآرتس" بالإضافة إلى قنوات تلفزيونية إخبارية، أن الإنذار الأمريكي الأخير يمثل نقطة تحول حاسمة. وتشير هذه التقارير إلى أن الولايات المتحدة، بعد استنفادها للخيارات الدبلوماسية، قد أبلغت إيران بأن لديها "نافذة زمنية محدودة للغاية" للاستجابة لمطالبها.
تتركز المطالب الأمريكية المزعومة بشكل أساسي حول البرنامج النووي الإيراني، وتحديدًا مستويات تخصيب اليورانيوم التي وصلت إليها إيران، والتي تقترب من مستويات صنع الأسلحة النووية، بالإضافة إلى ضرورة التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) والسماح بالوصول إلى المواقع المشتبه بها. كما تشير بعض التقارير إلى أن الإنذار يتضمن أيضًا وقف دعم الجماعات المسلحة الإقليمية واستهداف الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب.
لم يصدر أي تأكيد رسمي من واشنطن لهذه التقارير، حيث التزم المسؤولون الأمريكيون الصمت حيال تفاصيل "الإنذار النهائي". ومع ذلك، غالبًا ما تعكس التسريبات الإعلامية الإسرائيلية وجهات نظر أو معلومات استخباراتية يتم تبادلها مع الولايات المتحدة، أو على الأقل تعبر عن قلق إسرائيلي متزايد إزاء المسار الحالي. من جانبها، دأبت طهران على نفي وجود أي إنذارات نهائية، مؤكدة على حقها في برنامج نووي سلمي ورفضها لأي ضغوط خارجية، ومشددة على أن أي حوار يجب أن يتم على أساس الاحترام المتبادل ورفع العقوبات.
طبيعة المهلة والمطالب
تتحدث التقارير عن مهلة قد لا تتجاوز بضعة أسابيع أو أشهر، يتم بعدها اتخاذ "إجراءات حاسمة". المطالب تتجاوز مجرد العودة إلى التزامات الاتفاق النووي لعام 2015، لتشمل تقييدًا أوسع لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية والتدخلات الإقليمية. هذا التحول يعكس تزايد القناعة لدى بعض الأطراف بأن الاتفاق الأصلي لم يعد كافيًا لاحتواء طموحات إيران النووية والإقليمية، خاصة مع تطور قدرات إيران الصاروخية وتأثيرها المتزايد في المنطقة.
المواقف الدولية والإقليمية
بينما تلتزم الولايات المتحدة الصمت الرسمي، أعربت الدول الأوروبية، المشاركة في الاتفاق النووي (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا)، عن قلقها المستمر ودعت إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات، محذرة من تداعيات أي تصعيد. روسيا والصين، من جانبيهما، دعتا إلى رفع العقوبات عن إيران وتجنب أي تصعيد قد يزعزع استقرار المنطقة بأسرها، مؤكدتين على ضرورة التمسك بالدبلوماسية. إقليميًا، تراقب دول الخليج العربي الأوضاع بقلق بالغ، وسط دعوات متكررة للحد من التوتر وتعزيز الأمن الإقليمي، مع تزايد المخاوف من تأثير أي مواجهة محتملة على أمنها واستقرارها.
تداعيات محتملة على المنطقة والعالم
إذا صحت التقارير الإسرائيلية حول هذا الإنذار الأمريكي، فإن تداعياته ستكون عميقة وواسعة النطاق، تمس مختلف الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط وخارجه.
على إيران
ستواجه طهران خيارات صعبة للغاية. الامتثال للمطالب قد يعني تنازلات كبيرة في برامجها النووية والصاروخية وسياساتها الإقليمية، مما قد يؤثر على مكانة النظام داخليًا وإقليميًا. عدم الامتثال قد يفتح الباب أمام مزيد من العقوبات المشددة، أو حتى عمل عسكري محتمل، والذي وإن كان خيارًا أخيرًا، إلا أنه يظل مطروحًا على الطاولة الأمريكية والإسرائيلية. سيؤدي هذا إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الشعب الإيراني، وربما يؤدي إلى اضطرابات داخلية.
على الولايات المتحدة وإسرائيل
ستختبر هذه المرحلة مصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على فرض إرادتها الدبلوماسية أو العسكرية. بالنسبة لإسرائيل، التي تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، فإن أي تصعيد قد يدفعها لاتخاذ إجراءات أحادية الجانب أو التنسيق الوثيق مع واشنطن، مما يزيد من احتمالات نشوب صراع أوسع في المنطقة قد لا تكون نتائجه محسوبة.
على دول الخليج العربي
ستكون دول الخليج في قلب أي تصعيد محتمل، حيث يمكن أن تتعرض مصالحها الاقتصادية والأمنية للخطر، خصوصًا مع مرور جزء كبير من صادرات النفط العالمية عبر مياه الخليج. قد يؤدي ذلك إلى تحالفات أمنية جديدة أو تعزيز التحالفات القائمة، مع تداعيات محتملة على أسعار النفط العالمية واستقرار طرق الشحن.
على الاقتصاد العالمي
أي تصعيد في الخليج العربي، وهو ممر حيوي لشحن النفط، سيؤثر بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية وسلاسل الإمداد، مما قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية في وقت تعاني فيه العديد من الاقتصادات من تحديات التضخم والركود. كما أن عدم اليقين السياسي يثني الاستثمارات ويؤثر على الأسواق المالية العالمية.
ما الذي يليه؟ سيناريوهات المستقبل
الأسابيع والأشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار الأزمة الإيرانية. هناك عدة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الدبلوماسي
قد تستجيب إيران للضغوط، بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر العودة إلى المفاوضات الجادة، ربما بوساطة أوروبية أو إقليمية. هذا قد يؤدي إلى اتفاق جديد أو إحياء للاتفاق النووي المعدل، يحد من قدرات إيران النووية مقابل رفع جزئي أو كلي للعقوبات. يتطلب هذا السيناريو مرونة من جميع الأطراف ورغبة حقيقية في التوصل إلى حل وسط.
سيناريو التصعيد المحدود
في حال عدم استجابة إيران، قد تلجأ الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تشديد العقوبات بشكل غير مسبوق، أو تنفيذ ضربات محدودة وموجهة ضد منشآت نووية أو عسكرية إيرانية، بهدف إبطاء برنامجها أو ردعها عن تجاوز "الخطوط الحمراء". هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة للتصعيد العسكري الأوسع، وقد يؤدي إلى ردود فعل إيرانية غير متوقعة.
سيناريو المواجهة الشاملة
وهو السيناريو الأكثر خطورة والأقل ترجيحًا في الوقت الراهن، والذي قد يحدث إذا فشلت جميع الجهود الدبلوماسية وتجاوزت إيران جميع الخطوط الحمراء المتفق عليها دوليًا، مما قد يدفع إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق ذات تداعيات كارثية على المنطقة والعالم، بما في ذلك احتمال جر دول إقليمية أخرى إلى الصراع.

سيناريو الجمود
قد يستمر الوضع على ما هو عليه، مع استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم ببطء، واستمرار العقوبات الأمريكية، دون حل حاسم. هذا السيناريو قد يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي ويزيد من مخاطر الانتشار النووي في المدى الطويل، مما يجعل المنطقة عرضة لاندلاع الصراع في أي لحظة.
إن تقارير الإنذار الأمريكي "النهائي" لإيران، وإن لم تُؤكد رسميًا، تعكس بلا شك حالة من التوتر الشديد والقلق المتزايد في المنطقة والعالم بشأن مسار البرنامج النووي الإيراني وتداعياته الإقليمية. ستظل عيون العالم شاخصة على طهران وواشنطن، في انتظار أي مؤشرات على المسار الذي ستسلكه هذه الأزمة المعقدة.
