غرينلاند تثير غضب ترامب: 45 دقيقة من التوبيخ تغير مسار العلاقات الدنماركية الأمريكية

في أغسطس 2019، شهدت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والدنمارك توتراً غير مسبوق إثر مكالمة هاتفية استمرت 45 دقيقة، وبّخ خلالها الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب رئيسة وزراء الدنمارك ميت فريدريكسن. كان محور الخلاف هو رفض الدنمارك القاطع لفكرة بيع جزيرة غرينلاند الاستراتيجية للولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترامب ودفع به لإلغاء زيارة دولة كانت مقررة إلى كوبنهاغن، ملقياً بظلال من الدهشة على المشهد الدبلوماسي العالمي.
خلفية تاريخية وجغرافية: لماذا غرينلاند؟
لم تكن رغبة الولايات المتحدة في غرينلاند وليدة اللحظة، بل تعود إلى عقود مضت. فغرينلاند، أكبر جزيرة في العالم ذات حكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الأهمية في المحيط المتجمد الشمالي. خلال الحرب الباردة، أقامت الولايات المتحدة قاعدة ثول الجوية (Thule Air Base) في شمال غرينلاند، والتي تعد جزءاً حيوياً من شبكة الدفاع الصاروخي الأمريكية ونظام الإنذار المبكر.
تكمن أهمية غرينلاند الحديثة في عدة عوامل. أولاً، موقعها الجيوسياسي الذي يمنحها دوراً محورياً في منطقة القطب الشمالي، التي تزداد أهميتها الاقتصادية والعسكرية مع ذوبان الجليد وفتح طرق ملاحية جديدة. ثانياً، مواردها الطبيعية الهائلة غير المستغلة، بما في ذلك المعادن النادرة والنفط والغاز، التي تجذب اهتمام القوى العالمية. ثالثاً، هي موطن لشعب الإنويت، وتتمتع بحكم ذاتي واسع، مع سيطرة الدنمارك على السياسة الخارجية والدفاع.
اهتمام أمريكي قديم متجدد
لم تكن فكرة شراء غرينلاند جديدة تماماً. ففي عام 1867، طرح وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد الفكرة لأول مرة. وتكررت المحاولات في عام 1946 عندما عرض الرئيس هاري ترومان 100 مليون دولار ذهباً لشراء الجزيرة، وهو ما قوبل بالرفض الدنماركي. ومع ذلك، فإن إعلان ترامب العلني عن اهتمامه في عام 2019، والذي وصفه بأنه “صفقة عقارية كبيرة”، كان غير مسبوق في صراحته ونهجه المباشر، مما أثار دهشة واستياء الدنمارك والمجتمع الدولي.
تطورات الأزمة الدبلوماسية الرئيسية
بدأت الأزمة تتكشف في منتصف أغسطس 2019، عندما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن اهتمام الرئيس ترامب بشراء غرينلاند. لم يمر هذا الخبر مرور الكرام في الدنمارك. سرعان ما توالت ردود الفعل الدنماركية الرافضة، حيث وصفت رئيسة الوزراء ميت فريدريكسن الفكرة بأنها “سخيفة” و”مناقشة عبثية”، مؤكدة أن غرينلاند ليست للبيع وأن الدنمارك لا تملك حق بيعها حتى لو أرادت ذلك.
المكالمة الهاتفية الملتهبة
في أعقاب هذه التصريحات، أجرى الرئيس ترامب مكالمة هاتفية مع رئيسة الوزراء فريدريكسن. وبحسب تقارير إعلامية لاحقة، استمرت المكالمة حوالي 45 دقيقة، وكانت حادة اللهجة. يُعتقد أن ترامب وبّخ فريدريكسن بسبب تصريحاتها، معتبراً إياها “مهينة” وغير لائقة لرئيس حكومة حليف. وقد أشار ترامب نفسه إلى أن تعليقات فريدريكسن كانت “بغيضة” و”غير مناسبة”. هذه المكالمة كشفت عن تباين عميق في الأساليب الدبلوماسية والتوقعات بين الجانبين.
إلغاء الزيارة الرئاسية
بلغت الأزمة ذروتها عندما أعلن ترامب في 20 أغسطس 2019، عبر تغريدة على تويتر، إلغاء زيارته الرسمية إلى الدنمارك، التي كانت مقررة في أوائل سبتمبر. وبرر ترامب قراره قائلاً: “بناءً على تصريحات رئيسة الوزراء ميت فريدريكسن بأنها لن تكون مهتمة بمناقشة بيع غرينلاند، سأؤجل اجتماعنا المقرر بعد أسبوعين لوقت آخر”. هذا الإلغاء المفاجئ لزيارة دولة مهمة، بسبب قضية غير تقليدية، صدم الأوساط الدبلوماسية وأثار تساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمريكية-الدنماركية.
تأثير الأزمة على العلاقات والمنطقة
كان للأزمة تداعيات فورية ودائمة على عدة مستويات. على الرغم من أن العلاقات الدنماركية الأمريكية تتمتع بتاريخ طويل من التعاون كحليفين في الناتو، إلا أن حادثة غرينلاند كشفت عن هشاشة معينة في ظل إدارة ترامب ذات النهج غير التقليدي.
العلاقات الأمريكية-الدنماركية
بعد الإلغاء، سارع مسؤولون من كلا الجانبين إلى التقليل من شأن الأزمة، مؤكدين على أهمية التحالف الاستراتيجي. لكن الحادثة تركت أثراً، حيث شعر الدنماركيون بالإهانة من الطريقة التي تعامل بها ترامب مع الأمر. ومع ذلك، استمر التعاون في مجالات مثل الدفاع والأمن في القطب الشمالي. وقد حاولت إدارة بايدن لاحقاً إصلاح هذه العلاقات وتعزيز التحالفات التقليدية.
مستقبل غرينلاند والقطب الشمالي
أسهمت أزمة غرينلاند في تسليط الضوء العالمي على الجزيرة وأهميتها الجيوسياسية المتزايدة. أكدت حكومة غرينلاند، بقيادة رئيس الوزراء كيم كيلسن آنذاك، رفضها القاطع لأي فكرة بيع، مشددة على حق شعبها في تقرير المصير. كما زادت الحادثة من الاهتمام الدولي بالقطب الشمالي كمنطقة استراتيجية تتنافس عليها قوى عالمية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، التي تسعى لتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري في المنطقة الغنية بالموارد.
أسلوب ترامب الدبلوماسي
عززت هذه الواقعة الصورة النمطية لسياسة ترامب الخارجية القائمة على الصفقات والمساومات والنهج غير التقليدي. فقد أظهر استعداده لاستخدام الضغط الدبلوماسي، وحتى الإهانة، لتحقيق أهدافه، بغض النظر عن البروتوكولات الدبلوماسية المعمول بها. وقد أثار هذا الأسلوب جدلاً واسعاً حول فعاليته وتأثيره على التحالفات التقليدية.
ما بعد الأزمة: آفاق التعاون والتحديات المستقبلية
على الرغم من التوتر الذي شاب العلاقات، لم تتوقف الولايات المتحدة عن إبداء اهتمامها بغرينلاند، ولكن بطرق أكثر تقليدية. فقد أعادت واشنطن فتح قنصليتها في عاصمة غرينلاند، نوك، في عام 2020، بعد عقود من الإغلاق، وذلك بهدف تعزيز الروابط الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع الجزيرة. كما قدمت الولايات المتحدة مساعدات مالية لتنمية غرينلاند في قطاعات مثل التعدين والسياحة.
تعزيز الوجود الأمريكي في القطب الشمالي
تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها واستثماراتها في منطقة القطب الشمالي بشكل عام، وفي غرينلاند على وجه الخصوص، من خلال برامج تعاون عسكرية ومدنية. ويأتي هذا في سياق استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ المتزايد لروسيا والصين في المنطقة، وضمان أمن الممرات الملاحية والموارد الطبيعية.
مستقبل غرينلاند الاقتصادي والسياسي
تتجه غرينلاند نحو استكشاف سبل جديدة للتنمية الاقتصادية لتقليل اعتمادها على الدعم المالي من الدنمارك. وتشمل هذه السبل تطوير قطاعات التعدين، والسياحة المستدامة، ومصائد الأسماك. كما تستمر النقاشات الداخلية حول مستقبل الحكم الذاتي للجزيرة، وإمكانية تحقيق الاستقلال الكامل عن الدنمارك في الأمد البعيد، وهي عملية معقدة تتطلب بناء اقتصاد قوي ومستدام.
في الختام، كانت حادثة "بيع غرينلاند" والمكالمة الهاتفية التي تلتها نقطة تحول لافتة في العلاقات الدبلوماسية. لقد كشفت عن تحديات جديدة في التعامل مع القوى العظمى، وأكدت على أهمية الجغرافيا السياسية للقطب الشمالي، وأبرزت قدرة الأحداث غير المتوقعة على إعادة تشكيل مسار العلاقات الدولية، حتى بين الحلفاء المقربين.
