تستعد واشنطن وطهران لجولة جديدة من المحادثات غير المباشرة خلال الأيام القليلة المقبلة، في خطوة قد تمثل نقطة تحول حاسمة في ملفهما النووي الشائك. تأتي هذه التطورات في ظل تقارير صحفية تشير إلى جهود دبلوماسية مكثفة لكسر الجمود الذي خيّم على المفاوضات لشهور طويلة، وسط ترقب دولي كبير لنتائج هذه الجولة المرتقبة في إحدى العواصم الإقليمية أو الأوروبية.
خلفية تاريخية للملف النووي
تعود جذور الأزمة النووية الإيرانية إلى عقود مضت، لكنها تصاعدت بشكل كبير مع الكشف عن برنامجها النووي في أوائل الألفية الثالثة. توجت الجهود الدبلوماسية الدولية بتوقيع الاتفاق النووي، المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، في يوليو 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، روسيا، والصين). نص الاتفاق على قيود صارمة على الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها.
الانسحاب الأمريكي وتداعياته
في مايو 2018، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، معيدًا فرض سلسلة واسعة من العقوبات الاقتصادية على إيران. بررت الإدارة الأمريكية قرارها بأن الاتفاق لم يكن كافيًا لكبح برنامج إيران الصاروخي أو نفوذها الإقليمي. ردت طهران على الانسحاب الأمريكي ببدء تقليص التزاماتها النووية تدريجيًا اعتبارًا من عام 2019، متجاوزة حدود التخصيب ومخزون اليورانيوم المنصوص عليها في الاتفاق.
مسار المفاوضات المتعثرة
مع تولي الرئيس جو بايدن السلطة في يناير 2021، أبدت إدارته رغبة في العودة إلى الاتفاق النووي، بشرط عودة إيران للامتثال الكامل. بدأت جولات مكثفة من المحادثات غير المباشرة في فيينا في أبريل 2021، بمشاركة الأطراف المتبقية في الاتفاق والولايات المتحدة بشكل غير مباشر. استمرت هذه المحادثات لأكثر من عام، وشهدت تقدمًا وتراجعًا، لكنها توقفت فعليًا في أغسطس 2022 دون التوصل إلى اتفاق نهائي. فشلت جولات لاحقة في الدوحة ومسقط في تحقيق اختراق ملموس، مما ألقى بظلال من الشك على إمكانية إحياء الاتفاق.
تطورات رئيسية حديثة
تشير التقارير الأخيرة إلى تحركات دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس، يقودها وسطاء إقليميون ودوليون، لإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات. تأتي هذه الجولة المرتقبة في سياق عدة مؤشرات على رغبة متبادلة في خفض التصعيد، حتى لو لم تكن هناك ثقة كاملة بين الطرفين.
مبادلات السجناء وتجميد الأصول
شهدت الأشهر الماضية بعض خطوات بناء الثقة، أبرزها صفقة تبادل السجناء بين البلدين في سبتمبر 2023. تضمنت الصفقة إطلاق سراح خمسة مواطنين أمريكيين مقابل خمسة إيرانيين، وتجميد حوالي 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية، والتي تم تحويلها إلى قطر. اعتبرت هذه الخطوات مؤشرًا على وجود قناة اتصال وتفاهمات محدودة، حتى في غياب اتفاق أوسع.
مطالب الطرفين
لا تزال المطالب الأساسية للطرفين تمثل تحديًا كبيرًا. تطالب إيران برفع كامل لجميع العقوبات المفروضة عليها منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق، وتقديم ضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أمريكية مستقبلية من الاتفاق. في المقابل، تصر الولايات المتحدة على عودة إيران للامتثال الكامل للقيود النووية المنصوص عليها في الاتفاق، ووقف أنشطة تخصيب اليورانيوم بنسب عالية، وتوفير الشفافية الكاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما تسعى واشنطن لمعالجة قضايا أخرى مثل برنامج إيران الصاروخي ونفوذها الإقليمي، رغم أن طهران ترفض ربط هذه القضايا بالملف النووي.
التأثيرات المحتملة للمفاوضات
لأي تقدم أو فشل في هذه المفاوضات تداعيات واسعة النطاق تتجاوز حدود الدولتين، لتشمل الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي والدولي.
الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة
إذا تم التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى تخفيف العقوبات، فقد يؤدي ذلك إلى عودة النفط الإيراني بكميات أكبر إلى الأسواق العالمية. يمكن أن يساعد هذا في استقرار أسعار الطاقة العالمية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية. على الجانب الآخر، سيؤدي الفشل إلى استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران، وربما تصعيد التوترات التي قد تؤثر سلبًا على إمدادات الطاقة.
الاستقرار الإقليمي
تراقب دول المنطقة، وخاصة دول الخليج وإسرائيل، هذه المفاوضات بقلق وترقب. فعودة الاتفاق النووي قد تقلل من خطر التصعيد العسكري، لكنها قد تثير مخاوف بشأن تمويل إيران لوكلائها الإقليميين. بينما قد يؤدي فشل المفاوضات إلى زيادة التوترات، مما يعزز المخاوف من سباق تسلح إقليمي أو مواجهة عسكرية. تظل إسرائيل، على وجه الخصوص، من أشد المعارضين للاتفاق النووي، معتبرة أنه لا يمنع إيران من حيازة سلاح نووي على المدى الطويل.
الوضع الداخلي الإيراني
تعاني إيران من عقوبات اقتصادية خانقة أثرت بشكل كبير على مستوى معيشة المواطنين. يمكن أن يؤدي رفع العقوبات إلى انتعاش اقتصادي، وتحسين قيمة العملة، وتوفير فرص عمل، مما قد يخفف من حدة التوترات الداخلية. في المقابل، سيؤدي استمرار العقوبات إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وقد يغذي حالة السخط الشعبي.
ماذا بعد؟ التوقعات والمعالم المنتظرة
تتجه الأنظار الآن إلى العاصمة التي ستستضيف الجولة الجديدة من المحادثات، والتي من المرجح أن تكون في إحدى الدول المحايدة التي لعبت دور الوسيط في السابق، مثل عمان أو قطر.
سيناريوهات محتملة
هناك عدة سيناريوهات محتملة لهذه الجولة من المحادثات:
اتفاق "أقل مقابل أقل": قد يسعى الطرفان إلى التوصل إلى اتفاق مؤقت أو جزئي يتضمن تنازلات محدودة من الجانبين، مثل تجميد إيران لبعض أنشطتها النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، أو السماح بتصدير كميات محددة من النفط. قد لا يكون هذا إحياءً كاملاً للاتفاق، ولكنه قد يمثل خطوة نحو بناء الثقة.
* إحياء كامل للاتفاق النووي: وهو السيناريو الأكثر طموحًا، حيث يعود الطرفان للامتثال الكامل للاتفاق الأصلي. يتطلب هذا تنازلات كبيرة من كلا الجانبين، وضمانات متبادلة.
* استمرار الجمود أو التصعيد: في حال فشل المفاوضات، قد يعود الوضع إلى المربع الأول، مع استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي، وتصاعد العقوبات الأمريكية، مما يزيد من خطر التصعيد العسكري في المنطقة.

التحديات والعقبات
تواجه هذه الجولة تحديات جمة، أبرزها:
انعدام الثقة: تاريخ طويل من عدم الثقة بين واشنطن وطهران يجعل التوصل إلى تفاهمات صعبة.
* الضغوط الداخلية: يواجه قادة البلدين ضغوطًا داخلية كبيرة من المتشددين الذين يعارضون أي تنازلات.
* الضمانات المستقبلية: تصر إيران على ضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أمريكية مستقبلية، وهو أمر صعب من الناحية الدستورية الأمريكية.
* التوقيت: مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024، قد يكون هناك حافز للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية ولاية بايدن، لكن هذا قد يحد أيضًا من مرونة الإدارة.
تبقى هذه الجولة من المحادثات فرصة حاسمة لإعادة تشكيل مسار الملف النووي الإيراني. سواء أدت إلى انفراجة كبيرة أو مجرد تفاهمات محدودة، فإن نتائجها ستحدد إلى حد كبير مستقبل الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية لسنوات قادمة.
