السعودية والإمارات: “خلافات” وراء الكواليس، فهل ينتهي عصر التناغم؟

Viral_X
By
Viral_X
7 Min Read
#image_title

أسرار وراء الكواليس: هل ينهار تحالف الرياض وأبوظبي من الداخل؟

أسرار وراء الكواليس: هل ينهار تحالف الرياض وأبوظبي من الداخل؟

تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تحولات ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل التناغم الذي طالما ميز أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في مجلس التعاون الخليجي. فبينما كانت الرياض وأبوظبي تعتبران حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي، بدأت مؤشرات على تباين المصالح والسياسات تظهر على السطح، مما ينذر بعصر جديد من الديناميكيات في منطقة الخليج العربي.

السعودية والإمارات: "خلافات" وراء الكواليس، فهل ينتهي عصر التناغم؟

خلفية تاريخية: عصر التناغم الذهبي

لعدة سنوات، مثلت العلاقة بين السعودية والإمارات نموذجاً للتحالف الاستراتيجي المتين في الشرق الأوسط. بعد أحداث الربيع العربي عام 2011، تعزز التنسيق بين البلدين لمواجهة التحديات الإقليمية المشتركة، من صعود جماعات الإسلام السياسي إلى التوسع الإيراني. هذا التناغم بلغ ذروته في منتصف العقد الماضي، حيث قادا معاً تحالفاً عسكرياً في اليمن عام 2015 لدعم الحكومة الشرعية ضد الحوثيين.

كما شكلا جبهة موحدة في حصار قطر عام 2017، وتبنيا مواقف متقاربة في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، بما في ذلك أسواق النفط ضمن منظمة أوبك+. كانت رؤى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان متوافقة إلى حد كبير، مما عكس تقارباً شخصياً واستراتيجياً نحو تحديث البلدين وتنويع اقتصاداتهما بعيداً عن النفط، من خلال رؤية السعودية 2030 واستراتيجية الإمارات المئوية 2071.

وقد تجسد هذا التعاون في مشاريع مشتركة واستثمارات متبادلة، وتنسيق أمني وعسكري واسع النطاق، مما رسخ صورة تحالف لا يتزعزع، قادر على تشكيل المشهد الإقليمي والدولي. كان هذا التناغم ينظر إليه كقوة استقرار رئيسية في منطقة مضطربة، ويمنح البلدين نفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

تطورات رئيسية: مؤشرات التباعد المتزايدة

انسحاب الإمارات من اليمن وتداعياته

كانت اليمن أول ساحة ظهرت فيها مؤشرات التباعد العلني. في عام 2019، أعلنت الإمارات عن سحب جزء كبير من قواتها من اليمن، معللة ذلك بالانتقال إلى استراتيجية “السلام أولاً”. ورغم أن الرياض وأبوظبي أكدتا استمرار التنسيق، إلا أن انسحاب الإمارات ترك السعودية تتحمل العبء الأكبر من الصراع. كما دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بالانفصال، مما تعارض أحياناً مع أهداف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والتي تدعمها السعودية.

صدام أوبك+ العلني

في يوليو 2021، اندلع خلاف علني نادر بين البلدين خلال اجتماع منظمة أوبك+. عارضت الإمارات خطة زيادة الإنتاج التي اقترحتها السعودية وروسيا، مطالبة بزيادة حصتها من الإنتاج بناءً على قدرتها الإنتاجية الفعلية. هذا الخلاف كشف عن تصدع في جبهة أوبك+ الموحدة، وأظهر أن المصالح الاقتصادية الوطنية قد تتجاوز التنسيق الاستراتيجي السابق.

المنافسة الاقتصادية الشرسة

تعد المنافسة الاقتصادية المحرك الأبرز للتوترات الحالية. تسعى السعودية، عبر رؤية 2030، إلى تحويل الرياض إلى مركز إقليمي للأعمال والمال والسياحة، منافسة بذلك المدن الإماراتية الرائدة كدبي وأبوظبي. في يناير 2021، أعلنت السعودية عن برنامج “المقرات الإقليمية” الذي يلزم الشركات الأجنبية بنقل مقراتها الإقليمية إلى المملكة بحلول عام 2024 لتتمكن من التعاقد مع الحكومة أو المؤسسات العامة. هذا الإجراء استهدف بشكل مباشر الشركات التي تتخذ من دبي مقراً إقليمياً لها.

بالإضافة إلى ذلك، فرضت السعودية تغييرات على قواعد الاستيراد والجمارك في منتصف عام 2021، مستهدفة المنتجات المصنعة في المناطق الحرة الإماراتية أو المعاد تصديرها من الإمارات، بهدف تعزيز الصناعة المحلية وتوجيه التجارة مباشرة إلى موانئها. مشاريع عملاقة مثل نيوم السعودية، التي تهدف إلى جذب الاستثمارات والسياحة العالمية، تتنافس مباشرة مع الوجهات الإماراتية الراسخة.

تباين المسارات الدبلوماسية

في السنوات الأخيرة، اتبعت الإمارات مساراً دبلوماسياً أكثر استقلالية، شمل تطبيع العلاقات مع إسرائيل عام 2020 عبر اتفاقات أبراهام، وإعادة بناء الجسور مع تركيا وسوريا، وحتى تقارباً مع إيران. في المقابل، كانت السعودية أكثر حذراً في بعض هذه الملفات، رغم أنها حققت تقارباً مع إيران بوساطة صينية في مارس 2023. هذا التباين في الأولويات الدبلوماسية يعكس تزايد الثقة بالنفس لدى كل طرف في إدارة علاقاته الخارجية بشكل مستقل.

التأثير: من يتأثر بهذا التباعد؟

هذه التحولات لا تقتصر على الرياض وأبوظبي فحسب، بل تمتد لتؤثر على المشهد الإقليمي والدولي بأكمله. أولاً، يضعف التباعد من تماسك مجلس التعاون الخليجي، مما يجعل التوافق على سياسات موحدة أكثر صعوبة ويقلل من قدرته على العمل ككتلة واحدة. قد تستفيد دول أخرى مثل قطر وعمان من هذا التصدع لتوسيع نفوذها أو تبني مواقف أكثر استقلالية.

ثانياً، تواجه الشركات العالمية العاملة في المنطقة تحديات جديدة. فالمطالب السعودية بنقل المقرات الإقليمية، والتغييرات في القواعد التجارية، تفرض عليها خيارات صعبة قد تؤثر على استثماراتها وعملياتها. المستثمرون الأجانب قد يجدون أنفسهم في بيئة أكثر تعقيداً وغير مؤكدة.

ثالثاً، تتأثر موازين القوى الإقليمية. فالدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي يجب أن تعيد تقييم استراتيجياتها في الخليج، حيث لم يعد هناك “محور” واحد يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل. كما أن التنسيق في قضايا مثل أمن الملاحة ومكافحة الإرهاب قد يصبح أكثر تعقيداً.

ماذا بعد؟ إعادة تعريف العلاقة

على الرغم من هذه المؤشرات على التباعد، من غير المرجح أن تشهد العلاقة بين السعودية والإمارات “انفصالاً” كاملاً أو عداءً صريحاً. فالمصالح الأمنية المشتركة، والحاجة إلى الاستقرار الإقليمي، وروابط التاريخ والجغرافيا، كلها عوامل تمنع ذلك. بدلاً من ذلك، يبدو أننا نشهد مرحلة من “إعادة تعريف” للعلاقة.

من المتوقع أن يستمر التنافس الاقتصادي، خاصة في مجالات جذب الاستثمارات والسياحة والتقنية. ومع ذلك، قد يشهد المستقبل تعاوناً انتقائياً في القضايا التي تخدم المصالح الوطنية المباشرة لكل طرف، مثل أمن الطاقة أو مواجهة تهديدات معينة. ستظل القنوات الدبلوماسية مفتوحة لإدارة أي خلافات وتجنب التصعيد.

في النهاية، قد ينتهي عصر التناغم الشامل ليحل محله عصر من التعاون الأكثر براغماتية واستقلالية، حيث تضع كل دولة مصالحها الوطنية في المقام الأول، مع الحفاظ على درجة من التنسيق الاستراتيجي. هذا التحول سيشكل بلا شك ملامح المشهد الخليجي لسنوات قادمة، ويفرض على الجميع التكيف مع ديناميكيات جديدة.

Share This Article